أبو علي سينا

122

القانون في الطب ( طبع بيروت )

ثم اعلم أن الشتاء البارد المطير يحدث حرقة البول وإذا اشتدت حرارة الصيف ويبوسته حدثت خوانيق قتالة وغير قتالة ومنفجرة وغير منفجرة . والمنفجرة تكون داخلًا وخارجاً وحدث عسر بول وحصبة وحميقاً وجمري سليمات ورمد وفساد دم وكرب واحتباس طمث ونفث . والشتاء اليابس - إذا كان ربيعه يابساً - فهو رديء . والوباء يفسد الأشجار والنبات فتفسد معتلفاتها من الماشية فتفسد آكليها من الناس . الفصل الثامن تأثير التغيّرات الهوائية التي ليست بمضادة للمجرى الطبيعي جداً . ويجب أن نستكمل الآن القول في سائر التغييرات الغير الطبيعية للهواء ، ولا المضادة للطبيعية التي نعرض بحسب أمور سماوية وأمور أرضية ، فقد أومأنا إلى كثير منها في ذكر الفصول ، فأما التابعة للأمور السماوية ، فمثل ما يعرض بسبب الكواكب ، فإنها تارة يجتمع كثير من الدراري ، منها في حيز واحد ، ويجتمع مع الشمس ، فيوجب ذلك إفراط التسخين فيما يسامته من الرؤوس ، أو يقرب منه ، وتارة يتباعد عن سمت الرؤوس بعداً كثيراً ، فينقص من التسخين ، وليس تأثير المسامتة في التسخين كتأثير دوام المسامتة أو المقاربة . وأما الأمور الأرضية ، فبعضها بسبب عروض البلاد ، وبعضها بسبب ارتفاع بقعة البلاد وانخفاضها ، وبعضها بسبب الجبال ، وبعضها بسبب البحار ، وبعضها بسبب الرياح ، وبعضها بسبب التربة . وأما الكائن بسبب العروض ، فإن كل بلد يقارب مدار رأس السرطان في الشمال ، أو مدار رأس الجدي في الجنوب ، فهو أسخن صيفاً من الذي يبعد عنه إلى خط الاستواء وإلى الشمال . ويجب أن يصدق قول من يرى أن البقعة التي تحت دائرة معدل النهار قريبة إلى الاعتدال ، وذلك أن السبب السماوي المسخن هناك هو سبب واحد ، هو مسامتة الشمس للرأس ، وهذه المسامتة وحدها لا تؤثر كثير أثر ، بل إنما تؤثر مداومة المسامتة . ولهذا ما يكون الحرّ بعد الصلاة الوسطى أشد منه في وقت استواء النهار . ولهذا ما يكون الحر والشمس في آخر السرطان وأوائل الأسد أشد منه إذا كانت الشمس في غاية الميل . ولهذا تكون الشمس إذا انصرفت عن رأس السرطان إلى حد ما هو دونه في الميل أشد تسخيناً منها إذا كانت في مثل ذلك الحد من الميل ، ولم يبلغ بعد رأس السرطان والبقعة المسامتة لخط الاستواء ، إنما تسامت فيها الشمس الرأس أياماً قليلة ، ثم تتباعد بسرعة ، لأن تزايد أجزاء الميل عند العقدتين ، أعظم كثيراً من تزايدها عند المنقلبين ، بل ربما لم يؤثر عند المنقلبين حركة أيام ثلاثة وأربعة ، وأكثر أثراً محسوساً ، ثم إن الشمس تبقى هناك في حين واحد متقارب مدة مديدة ، فيمعن في الإسخان ، فيجب أن يعتقد من هذا أن البلاد التي عروضها متقاربة للميل كله هي أسخن البلاد ، وبعدها ما يكون بعده عنه في الجانبين القطبيين مقارباً لخمس عشرة درجة ، ولا يكون الحرّ في خط الاستواء بذلك المفرط الذي يوجبه المسامتة في قرب مدارس رأس السرطان في المعمورة ، لكن البرد في البلاد المتباعدة عن هذا المدار إلى الشمالي أكثر . فهذا ما يوجبه اعتبار عروض المساكن على أنها في سائر الأحوال متشابهة .